الغزالي

70

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

ولأجل هذا لمّا كشف المأمون تربة كسرى أنوشروان وفتح تابوته وفتّشه وجد صورته وهي بمائها ما بليت ، والثياب بجدتها ما تغيّرت ولا خلقت ، والخاتم في يده ياقوت أحمر كثير الثمن ما رأى المأمون قبله فصّا مثله ، وكان على فصّه مكتوب « به مه نه مه به » ، ومعنى ذلك « الأجود أكبر وليس الأكبر أجود » فأمر المأمون أن يغطى بثوب نسج من الذهب ؛ وكان مع المأمون خادم فأخذ الخاتم من أصبع كسرى ولم يشعر المأمون ، فلمّا علم به أعاده وأمر بإهلاك الخادم وقال : كاد يفضحني بحيث يقال عني إلى يوم القيامة أن المأمون كان نباشا وأنه فتح تربة كسرى وأخذ خاتمه من إصبعه . حكاية : سأل الإسكندر يوما حليما من حكمائه ، وكان قد عزم على سفر ، فقال : أوضحوا لي من الحكمة سبيلا أحكم فيه أشغالي ، وأتقن فيه أعمالي ! فقال كبير الحكماء : أيها الملك لا تدخل قلبك حب شيء ولا بغضه ؛ لأن القلب خاصته كاسمه ، وإنّما سمي قلبا لتقلّبه ؛ وأعمل الفكر واتخذه وزيرا ، واجعل العقل صاحبا ومشيرا ، واجهد أن تكون متيقّظا ، ولا تشرع في عمل أمر بغير مشورة ، وتجنّب الميل والمحاباة في وقت العدل والإنصاف ، فإذا فعلت ذلك جرت الأشياء على آثارك ، وتصرفت فيها باختيارك . وينبغي أن يكون الملك وقورا حليما ، وأن لا يكون طائشا عجولا ؛ قالت الحكماء : ثلاثة أشياء قبيحة وهي في ثلاثة أقبح : الحدّة في الملوك ، والحرص في العلماء ، والبخل في الأغنياء . حكاية : كتب الوزير يونان إلى الملك العادل أنوشروان وصايا ومواعظ فقال : ينبغي يا ملك العالم أن يكون معك أربعة أشياء دائمة : العقل ، والعدل ، والصبر ، والحياء ، وينبغي يا ملك الزمان أن تنفي عنك الحسد والكبر وضيق الصدر - ويريد به البخل والعداوة - واعلم يا ملك الزمان أن الذين كانوا قبلك من الملوك مضوا ، والذين يأتون من بعدك لم يصلوا ، فاجتهد أن يكون جميع ملوك الزمان محبيك ومشتاقيك . حكاية : يقال إن أنوشروان ركب يوما من أيام الربيع على سبيل الفرجة ، فجعل يسير في الرياض المخضرة ، ويشاهد الأشجار المثمرة ، وينظر إلى الكروم العامرة ، فنزل عن فرسه ، وسجد شكرا لربه وخرّ ساجدا ووضع خدّه على التراب زمانا طويلا ،